دليل الأنترنيت… جريدة تعلم المغاربة التقنيات الحديثة للتواصل

technologies_to_communicate_465618620 دليل الأنترنيت... جريدة تعلم المغاربة التقنيات الحديثة للتواصل Actualités   في زقاق وسط حي “الباطوار” الشعبي الشهير بمدينة أكادير انطلقت التجربة الفريدة مطلع الألفية الحالية.. وقتها كان المغاربة بالكاد يتلمسون طريقهم على درب ولوج عالم الأنترنيت واكتشافه، فلم تكن حينها الحواسيب المحمولة والألواح الإلكترونية ولا حتى الهواتف الذكية متوافرة في أيدي وجيوب المغاربة كما اليوم، أما صبيب الأنترنيت فكان ينساب إلى حواسيب “المحظوظين” بطيئا بُطءَ الحلزون

وفي هذا المناخ غير المشجّع على خوض تجربة إصدار جريدة تُعنى بشؤون الأنترنيت، وتقدِّم لقرائها معلومات موثوقة حول جديد عوالمه، وتعلمهم أبجديات التعامل مع الشبكة العنكبوتية، قرر شباب “مهووسون” بعالم “النّت” إصدار جريدة اختاروا لها اسم “دليل الأنترنيت”، وكانت بالفعل دليلا أنار طريق آلاف مؤلّفة من القراء على درب الإبحار في محيطات هذا العالم اللامحدود والمتجدد بوتيرة لا تهدأ

انبثقت فكرة تأسيس “دليل الأنترنيت”، وهي أول دورية مغربية متخصصة في الأنترنيت والتقنيات الحديثة في الإعلام والتواصل، من رحم المعاناة التي كان يلاقيها الشباب، وقتذاك، في التعامل مع الشبكة العنكبوتية، في زمنِ شُح المعلومة وصعوبة وصولها إلى المتلقي، وصعوبة تطبيقها أيضا، نظرا لقلة الإمكانيات اللوجستية، وضعف صبيب الأنترنيت

“بدأت فكرة الجريدة من خلال ما كنت أعانيه مع مجموعة من أصدقائي آنذاك، إذ كنا نلتقي معا في أحد مقاهي الأنترنيت بمدينة أكادير، وكنا نجد صعوبة في التعامل مع هذا الوافد الجديد، ووجدنا المشكل نفسه يُطرح على العديد من المنتديات المغربية من طرف الشباب المغربي الذي يحرص على الإبحار في الشبكة العنكبوتية”، يقول سعيد سليماني، أحد مؤسسي “دليل الأنترنيت

ويوضح سليماني، في تصريح لهسبريس، أن غايتَه ورفاقَه الذين خاضوا غمار تأسيس جريدة “دليل الأنترنيت” لم تكن هي البحث عن الربح المادي، بل كان هدفهم في المقام الأول هو “إنشاء جريدة ورقية تكون منبرا للتلاقي من أجل مناقشة المشاكل التي نواجهها في التعامل مع الشبكة العنكبوتية، وإيجاد حل جماعي لها”، مشيرا إلى أن التجربة انطلقت بإمكانياتهم الذاتية، وساهموا بمالهم الخاص في طبع الأعداد الأولى من الجريدة

“دليل الأنترنيت” كانت بمثابة خطوة “سابقة لزمانها”، إذ تأسست في وقت كان المغاربة المهتمون بعالم الشبكة العنكبوتية قلّة قليلة. وقد ساعدت الجريدة الآلاف المؤلفة من قرائها على اكتساب مهارات التعامل مع الأنترنيت، من خلال شروح مبسطة للتعريفات والمصطلحات التقنية المستعصية، خاصة أن أغلب مصادر المعلومات آنذاك كانت متاحة باللغة الإنجليزية فقط، ونزر منها باللغة الفرنسية

وما يؤكد أن جريدة “دليل الأنترنيت” نصف الشهرية سبقت زمانها هو أن الكثير من الأفكار التي كانت تُسوَّد بها صفحاتها في المطبعة مرتين كل شهر “أصبحت تفرض نفسها الآن على أرض الواقع”، كما قال سليماني، قبل أن يستدرك، معبّرا عن إحباطه من التجاهل الذي كان يواجَه به ما يكابِده هو وزملاؤه من جهد وتعب وسهَر لليالي، في سبيل نشر المعلومة وإيصالها إلى القارئ، من طرف الجهات المفروض أن تساهم في تقدم المغرب في هذا المجال، ويضيف:  لقد كان التجاهل مصير ما كنا نطرحه من أفكار، وكان الكثيرون يعتبرون ما كنا نروج له أضغاث أحلام، بل كان هناك مَن يصنفنا ككائنات جئنا من كوكب آخر غير هذا الكوكب الذي يضمنا جميعا

وإذا كان المغرب اليوم يتحدث، بمسؤوليه وعامّة مواطنيه، عن ضرورة تطوير التعليم عن بعد، بعدما ساهم، على علّاته، في إنقاذ الموسم الدراسي الجاري من الضياع بسبب جائحة كورونا، فإن الشباب الذين سهروا على إخراج تجربة “دليل الأنترنيت” إلى الوجود نادوا بضرورة السير في هذا الاتجاه منذ سنوات طويلة. “لقد كنا ننادي بضرورة تجهيز المؤسسات التعليمية بالعتاد الإلكتروني، خاصة أن العالم مستقبلا سيتكلم لغة أخرى غير تلك السائدة آنذاك”، يقول سليماني، قاصدا لغة المعلوميات

لم يتوقف عدم الاكتراث الذي جُوبهت به تجربة “دليل الأنترنيت”، والطموحات ذات السقف العالي للشبان الواقفين خلفها، من طرف الفاعلين المعنيين، عند حدود التجاهل، بل تعدّاه إلى الاستهزاء، خاصة أن التجربة كانت قادمة من الجنوب، الذي يُصنف عادة في مرتبة أقل شأنا من المركز

يتذكر سليماني يوم اتصل به شخص يستفسر عن هوية طاقم جريدة “دليل الأنترنيت”، والجهة التي ينتمون إليها، وما إن أخبره، “حتى رد بنبرة تحمل الكثير من التهكم والعنصرية: كان العلم يأتينا من الشمال فكيف يأتينا الآن من الجنوب؟ خاصة أن الأمر يتعلق بتكنولوجيا للمستقبل تحمل الكثير من الأمل للإنسانية”، يردف باستغراب، مفسّرا هذا التمثل الخاطئ بكون “هؤلاء بالتأكيد يجهلون تاريخ المغرب العلمي والثقافي..كما يتجاهلون علماءه، خاصة الذين أنجبهم الجنوب المغربي

ولم يجد سليماني أفضل رد على ما تفوه به الشخص الذي اتصل به سوى ما كتبتْه المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي، في كتابها “سندبادات مغربية”، الصادر سنة 2004، حيث خصصت حيزا لـ”عقدة” تفوق الغرب على الشرق في المجال التكنولوجي، وكتبت أن هذا التصور خاطئ، لأن التكنولوجيا الحديثة دمقْرطت الحق في الوصول إلى المعرفة عن طريق التعليم الذاتي، وقدمت دليلا على ذلك بقولها: في المغرب يتنافس أبناء النسّاجين الأميين في تطويع الأنترنيت

وللمفكرة المغربية فاطمة المرنيسي تقدير كبير واحترام للفريق الذي قاد تجربة “دليل الأنترنيت”، التي خصصت لها جزءا من كتابها المذكور، عبرت عنه بتساؤلها:  سؤال أرقني كثيرا ووجدت صعوبة في الإجابة عنه، وهو لماذا يباع من جريدة “دليل الأنترنيت” المغربية أكثر من 15 ألف نسخة في وقت تجدُ الصحافةَ الحزبية المزركشة لا يقرؤها غيرَ المدقق اللغوي الذي يراجع أخطاءها اللغوية والإملائية

وإذا كان كانت المرنيسي، بقامتها العلمية والمعرفية السامقة، منبهرة بتجربة “دليل الأنترنيت”، فإن الجهات المفروض فيها أن تشجع هذه التجربة وتحفزها، أو تقدم، على الأقل، كلمة شكر لأصحابها على ما بذلوه وما ساهموا به من جهود معتبَرة في مشروع نشر المعرفة الرقمية بالمغرب، وكان عملهم اللبنة الأساسية التي تأسس عليها هذا المشروع، لم تصدر منها أي التفاتة

يقول سليماني بإحباط: “لم يسبق لنا طيلة مسيرة الجريدة أن اتصلت بنا جهة معينة فقط لتشكرنا…كنا نقوم بالدور الذي كان على الدولة أن تقوم به في توعية الشباب وعموم المواطنين بالاستفادة من الجوانب المضيئة للأنترنيت وتطبيقاته المختلفة والمتنوعة..كما نسجل بكل أسف غياب التواصل مع أي جهة بالجنوب تمثل الصحافة المكتوبة

التعليق على المقال