السعي في الإصلاح بين المتخاصمين

image_1630254430 السعي في الإصلاح بين المتخاصمين المزيد
الاختلاف بين الناس أمر واقع ومن سجايا البشر، وذلك لاختلاف أخلاقهم وطبائعهم، ولتنافسهم في حظوظ الدنيا من المال والشرف وغيرهما، قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}(هود: 119:118)، قال ابن كثير: “أي: ولا يزال الخُلْفُ (الاختلاف) بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم”. لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يؤدي إلى التشاحن والتقاطع والخصومة 

والكثير من الخلافات والمشكلات التي تقع بين المسلم وأخيه، والزوج وزوجته، والصاحب وصاحبه، ترجع إلى أمور وظنون يقذفها الشيطان في النفوس، وينساق الناس إليها، فتكون سبباً في وقوع العداوة والشقاق والخصومة بينهم، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (إن الشيطان قد أيِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) رواه مسلم. قال الطيبي: “أي إيقاع الفتنة والعداوة والخصومة والقتل”. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمُهم فتنة، يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً حتى يجيء أحدُهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت) رواه مسلم. قال القاضي عياض: “نِعْم أنتَ”: الذى جئت بالطامة والأمر العظيم. وقد يكون معناه: نِعْم أنتَ الذى أغنيت وفعلت رغبتى، أو أنت الحَظىِّ عندى، المقدم من رُسُلى.. أو أنت الشهم والجذل، ونحو هذا. وفيه تعظيم أمر الفراق والطلاق وكثير ضرره وفتنته، وعظيم الإثم فى السعى فيه، لما فيه من قطع ما أمر الله به أن يوصل، وشتات ما جعل الله فيه رحمة ومودة، وهدم بيت بُنى فى الإسلام، وتعريضٌ بالمتخاصمين

والسيرة النبوية فيها الكثير من المواقف والأحاديث الدالة على نهي وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الخصومة، وأمره وحثه صلى الله عليه وسلم على السعى في الإصلاح بين الناس، لما فيه من وَصْلٍ لأرحامٍ قدْ قُطِعت، وتقْوية لأخوة وصُحْبَة قدْ وهَنَت

التحذير النبوي من الاختلاف والخصام 

يكفي لبيان خطورة الشحناء والخصومة بين المسلم وأخيه أنها مانعة لمغفرة الله عز وجل للذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تُفتح أبواب الجنة يومَ الاثنين ويوم الخميس، فيُغْفَر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينَه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتى يصطلحا) رواه مسلم. قال النووي: “(أنظروا هذين) أي: أَخِّرُوهما حتى يرجعا إلى الصلْح والموَدَّة”. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَحِلُّ لرجُلٍ أن يَهجُر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان: فيُعرِض هذا، ويُعْرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأُ بالسَّلام) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (من هجر أخاه سَنَةً فهو كسفكِ دمِه) رواه أبو داود وصححه الألباني. وينبغي أن يُفَرَّق بين الهجر لحق الله عز وجل، وبين الهجر لحق النفس، فالأول ـ بشروطه وضوابطه ـ وإذا رُجِيَ تأثيره وتحقيقه للمصلحة فهو مأمور به، والثاني الذي هو لحق النفس منهي عنه لأن المؤمنين إخوة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يهجُر أخاه فوق ثلاث) رواه مسلم

 

التعليق على المقال