في أموالهم حقّ معلوم

44ffc45b50f322d6bb819fb312960a6d_XL_352258407 في أموالهم حقّ معلوم المزيد

المال من الحاجات الأساسية التي بدونها لا يستطيع الإنسان أن ينفق على نفسه وعياله. وعلى ذوي المكنة والغنى وظيفة اجتماعية تتمثل بمساعدة السائلين والمحرومين. وقد أطلق القرآن الكريم على هذا الإنفاق صفة الحقّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾1

ويظهر من الرواية التالية أن هذا الحق له وظيفة تكافلية، فليس هو من الزكاة والصدقات المفروضة، بل هو أمر تبرعي يقدم عليه المحسن طوعاً لأجل إشاعة مبدأ التعاون ومواساة المعوزين

عن القاسم بن عبدالرّحمن الأنصاري قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنّ رجلاً جاء إلى أبي علي بن الحسين عليهما‌السلام فقال له: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ما هذا الحقّ المعلوم؟  فقال له علي بن الحسين عليهما ‌السلام: الحقّ المعلوم الشيء يخرجه من ماله ليس من الزّكاة ولا من الصّدقة المفروضتين. قال: فإذا لم يكن من الزّكاة ولا من الصّدقة، فما هو؟  فقال: هو الشيء يخرجه الرّجل من ماله إن شاء أكثر، وإن شاء أقلّ، على قدر ما يملك، فقال له الرّجل: فما يصنع به؟  فقال: يصل به رحما، ويقوي به ضعيفاً، ويحمل به كلاًّ، أو يصل به أخاً له في الله، أو لنائبة تنوبه، فقال الرّجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته»2

وعن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «الحقّ المعلوم ليس من الزّكاة، هو الشيء تخرجه من مالك إن شئت كلّ جمعة، وإن شئت كلّ شهر، ولكلّ ذي فضل فضله، وقول الله عزّ وجلَّ: ﴿إِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾[3] فليس هو من الزكاة، والماعون ليس من الزكاة، هو المعروف تصنعه، والقرض تقرضه ومتاع البيت تعيره، وصلة قرابتك ليس من الزكاة، وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ فالحق المعلوم غير الزّكاة، وهو شيء يفرضه الرّجل على نفسه، يجب أن يفرضه على قدر طاقته ووسعه»4

والإسلام يحثّ على أن يكون إنفاق المال لغاية سامية أطلق عليها القرآن (سبيل الله)، فمثل هذا الإنفاق يباركه الله تعالى لكونه يخدم مبدأ التكافل، من خلال تقديم العون والمساعدة للآخرين بنية خالصة، وبشرط أن لا يصاحب مثل هذا الإنفاق المنّ أو الأذى، قال عزّ من قائل: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[5]. وعليه فالله تعالى يعتبر المال أمانة في يد حامله، وعليه أن يحسن التصرف بها، وأن ينفقها في سبيله، وليس من أجل الرِّياء أو السمعة الفارغة، لذلك يعتبر الذي ينفق أمواله من أجل الرِّياء من قرناء الشيطان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينً﴾[6]. ولم يأل أئمة أهل البيت: جهداً من أجل توعية شيعتهم على إدراك وظيفة المال الاجتماعية، ورسالته التكافلية، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فمن آتاهُ الله مالاً فليصل به القرابة، وليُحسن مِنهُ الضيافة، وليفُكَّ به الأسير والعاني، وليُعط مِنهُ الفقير والغارِمَ»[7]، وعنه (عليه السلام): «أفضل المال ما قضيت به الحقوق»8

التعليق على المقال